لا جديد عند اوباما
لا جديد عند اوباما
عبد الباري عطوان
2011-05-19

لا جديد عند اوباماالقاسم المشترك الأساسي بين الرئيس الامريكي باراك اوباما ومعظم الزعماء العرب لا ينحصر في القاء الخطب المطولة فقط، وانما في كونها تعتمد بالدرجة الاولى على البلاغة الكلامية الانشائية والقليل القليل من المواقف الجديدة، وحتى لو كان هناك جديد، فإن حظوظه في التطبيق على الارض تبدو محدودة للغاية.
خطاب الرئيس اوباما الذي القاه يوم امس، وخصصه للحديث عن منطقة الشرق الاوسط، والتحولات الرئيسية فيها، جاء مليئاً بالوعود حول دعم الاصلاح، واقتصاديات الانظمة الديمقراطية الجديدة في مصر وتونس، وبشرنا بنهاية قريبة لنظام الزعيم الليبي معمر القذافي، ووجه انذاراً الى الرئيس بشار الاسد بأن عليه ان يختار بين قيادة الاصلاح الديمقراطي او التنحي عن الحكم، ولم ينس حلفاءه في البحرين عندما طالبهم بالحوار مع المعارضة والافراج عن المعتقلين، وهذا كله كلام معروف سمعناه على لسان اكثر من مسؤول امريكي، ولكن السؤال هو حول الخطوات العملية لتحويله الى افعال على الارض.
نقول هذا الكلام الذي نعترف بانه ينطوي على لهجة تشكيكية، لاننا سمعنا مثله قبل عامين تقريباً في خطابه الاول في جامعة القاهرة، حيث وعدنا، وبكلمات بليغة ايضاً، بسياسة خارجية امريكية جديدة تقوم على العدالة والاخلاق، وبناء علاقات قوية مع العالم الاسلامي، والتزام مطلق بحل القضية الفلسطينية على اساس حل الدولتين ووقف كامل للاستيطان، فماذا جاءت النتائج؟... تراجعاً كاملاً عن كل هذه الوعود، وتبني جميع الاملاءات الاسرائيلية، وفشلاً في اقناع حلفائه الاسرائيليين بتجميد الاستيطان لمدة شهرين فقط.
' ' '
الثورات الشبابية العربية فرضت نفسها بالقوة على الادارة الامريكية، واسقطت انظمة ديكتاتورية كانت تشكل العمود الاساسي لسياستها الداعمة للتغول الاسرائيلي في المنطقة، ومحاولة ركوب هذه الثورات، والادعاء بمناصرتها وتعزيزها هي محاولة لتقليص الخسائر وكسب بعض الوقت لتمكين حكومته من امتصاص عنصر المفاجأة.
اليوم يقول لنا الرئيس اوباما انه قرر التعاطي مع الشعوب مباشرة وليس مع النخب مثلما كان عليه الحال في السابق، هذا جميل ولكن اين هي الشعوب التي يتعامل معها اوباما الآن هل يتعامل مع الشعب السعودي ويتجاوز حكومته، ويدعم مطالبه ببرلمان منتخب وتوزيع عادل للثروة وحقوق الانسان والقضاء المستقل؟ ام ان الدعم الامريكي الانتقائي للثورات يقتصر على الجمهوريات فقط ويستثني الملكيات غير الدستورية.
الرئيس اوباما قال كل شيء ايجابي بكلمات معسولة منمقة حتى وصل الى القضية العربية المركزية فغير لهجته كلياً تجاه الشعب الفلسطيني، فقد توعد بان تصويت الجمعية العامة للامم المتحدة لصالح دولة فلسطينية لن يؤدي الى قيامها، وتبنى الموقف الاسرائيلي الرافض للمصالحة الفلسطينية، وطالب السلطة بالقبول بانسحاب تدريجي وتفهم بل وتنفيذ مطالب اسرائيل الامنية واحتياجاتها، وأصرّ على ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الاسرائيلية.
غاب عن اوباما، وهو الرجل الذكي، ان الغطاء الشرعي الذي تلتحف به اسرائيل لتبرير اغتصابها للارضي الفلسطينية هو قرار صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة عملت الادارة الامريكية جاهدة على اصداره وتأمين الاغلبية له بكل انواع البلطجة والرشاوى. فلماذا يحق للاسرائيليين الذهاب الى الجمعية العامة لاقامة دولتهم ولا يحق للفلسطينيين ذلك؟ انها الانتقائية الامريكية، والدعم الاعمى لاسرائيل، والاحتقار الكامل للعرب والمسلمين.
خطاب اوباما المساند لاسرائيل، وانتقاداته الخفيفة لها المفتقرة للاسنان، هي التي دفعت بنيامين نتنياهو لاعتماد بناء 1500 وحدة سكنية في مستوطنات القدس الشرقية عشية القاء اوباما لخطابه. فهل هناك تحد ابلغ من هذا واشرس؟
اقرار الرئيس اوباما بخطأ النهــــج السابق للادارات الامريكية بدعم الانظمة الديكتاتورية وانتهاكاتها لحقــوق الانسان، لم يأت كرماً منه، وانما لان الشعوب العربية ثارت، وتثور على هذه الانظمة فاسقطت بعضها ومستمرة في ثورتها لاسقاط ما تبقى، ولن تستطيع الادارة الامريكية وقف عملية التغيير هذه.
الشعوب العربية لا تريد استعادة كرامتها المداسة من الانظمة الديكتاتورية الفاسدة فقط، وانما ايضا وقف الاستكبار والاذلال الامريكيين المتجسدين من خلال الدعم الامريكي المطلق لاسرائيل ومستوطنيها وعدوانها المستمر على الامة العربية.
حديث اوباما عن حدود الدولة الفلسطينية جاء ملغوما، لانه طرح في المقابل حصر المفاوضات المقبلة في قضيتي الامن والانسحابات التدريجية، واسقاط القضيتين الاهم وهما اللاجئون والاحتلال الاسرائيلي للقدس.
نستغرب ان يصر اوباما الذي يمثل دولة علمانية تشكل نموذجا في التعايش بين الاديان والثقافات والاعراق على يهودية الدولة الاسرائيلية، وهو الذي عانى واسرته طويلا من الممارسات والقوانين العنصرية الامريكية، وكان من ابرز الداعين الى تفكيك واسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
' ' '
شبعنا خطابات منمقة، ووعوداً بالسلام، نريد من رئيس الدولة الاعظم، والحليف الاوثق لاسرائيل مواقف شجاعة تقدم حلولا لردع مصدر الارهاب وعدم الاستقرار في العالم وهو الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والمقدسات العربية والاسلامية.
اوباما يعترف بان المنطقة العربية تتغير نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وقيم العدالة، وبدون اي تدخل امريكي وهذا جميل، ولكننا نريد ان تتغير الولايات المتحدة الامريكية وسياساتها في المنطقة ايضا وبما يتماشى مع هذه التغييرات العربية وهو ما لا نراه حاليا.
ذكرى النكبة والمسيرات نحو الحدود الفلسطينية ربما تقدم انذارا واضحا للرئيس الامريكي وحليفته اسرائيل الذي اكد التزامه بامنها، فاليوم توجه بضعة آلاف الى هذه الحدود لتأكيد حقهم في العودة، وربما في الذكرى المقبلة للنكبة سيتدفق الملايين من العرب والمسلمين من البر والبحر وربما الجو، ومن كل الاتجاهات فماذا ستفعل امريكا واسرائيل في هذه الحالة؟
الرئيس الامريكي يتحدث لغة قديمة عفا عليها الزمن، لغة تعود الى مرحلة الحرب الباردة، ولا تتماشى مع العصر الحديث والتطورات في المنطقة، والثورات العربية اثبتت انها متقدمة كثيرا حتى على امريكا نفسها، وجبّت كل ما قبلها من انظمة وسياسات وخطابات منمقة.



هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

"القدس العربي" ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو الصحيفة من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة. ويفضل ان تكون التعليقات مختصرة بحيث لا تزيد عن 200 كلمة.

الأسم:
بريدك الألكتروني:
الموضوع:
التعليق:
You may enter up to 750 characters      Characters left
alquds alarabi القدس العربي
كلمة رئيس التحرير
2506 لا تنخدعوا من تردد امريكا
  عبد الباري عطوان 

تصفح عدد اليوم من القدس العربي





Subscribe by Email
اقرأ في عدد اليوم

 446 رأي القدس لماذا لا تعترض سلطة عباس؟

 206 عزت القمحاوي ما لم يدركه الخبراء

 291 سليم عزوز أبرهة الأشرم يحاصر أمن الدولة!

 162 د. كمال الهلباوي من اخطر التحديات

 210  حسام عبد البصير السيسي يحظى بمزيد من الثناء وشيخ الازهر يحصل على تعاطف القوى غير الاسلامية.. ابو اسماعيل في انتظار التخشيبة

 182 صحف عبرية لماذا انحرف نتنياهو فجأة الى اليسار؟

 122 ابراهيم درويش اوباما تأخر في معالجة الملف السوري.. وتسليح المعارضة انجرار للخيار الذي حاول تجنبه

 311 بسام البدارين محيط مدينة معان الأردنية لا زال محتقنا وشباب العشائر لا يستجيبون لكبارهم ووفـود قبلية كبيرة تحاول إحتواء أزمة 'الجامعة' وسط غياب الرواية الرسمية

 81 زهير أندراوس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: لا توجد أدلة قاطعة بأن الأسد استخدم الأسلحة الكيميائية

 255  ابو إسماعيل يحرج الرئيس المصري ويسخر من وزير الدفاع ومراقبون يتهمون مكتب الارشاد والرئاسة بالضلوع في حملات تشويه الجيش

 66  مصر: جبهة الإنقاذ تنفي إجراء اتصالات معها للمشاركة في التعديل الوزاري واعتقال متشدِّدين إسلاميين حاولوا اقتحام مقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة

 96  وزير خارجية النيجر يصف ليبيا بأنها 'واحدة من أكبر القواعد الدولية للإرهاب'

 211 كمال زايت الجزائر: تواصل غياب الرئيس بوتفليقة وتزايد الإشاعات والغموض حول المستقبل

 326  اقبال جماهيري واسع على خطب الداعية المصري محمد حسان في تونس

 227  الاستخبارات الإسرائيلية تجهل الجهة التي أرسلت الطائرة بدون طيار رغم مرور أسبوع على إسقاطها

 80 محمود معروف جمعية مدنية مغربية تطالب بإعادة التحقيق بهجمات الدار البيضاء قبل 10 سنوات

 85  'الغارديان': قطر طالبت حركة طالبان النأي بنفسها عن 'القاعدة' قبل افتتاح مكتبها في الدوحة

 109  توقيف دبلوماسي ايراني سابق في الامم المتحدة بسبب 'سوء تفاهم'

 170  الكاتب ذو الألف حيلة: الوجه الخفي لغابرييل غارسيا ماركيز

 80 خيري منصور الروائي والسيناريست!

 110 محمد عبد الحكم دياب ما شأن الشركات الامريكية متعددة الجنسية بتطوير القرى المصرية؟!

 135 هيفاء زنكنة الطاغية الصغير وعقدة الخوف من الشعب

 142 مالك التريكي الغنوشي والنقد الذاتي: الفريضة الغائبة
 104 د . نصيف الجبوري ليس لمثل هذا العراق جاهدنا.. حوار هادئ وسط طبول الحرب

 503  سيف الاسلام واصبع الحقيقة



منوعات


أخبار خفيفة


تحقيقات


رياضة



in