الشعب السوري يستحق الحياة ايضا
الشعب السوري يستحق الحياة ايضا
عبد الباري عطوان
2012-09-24


الشعب السوري يستحق الحياة ايضامن المفترض، وبعد تسعة عشر شهرا من بدء الانتفاضة السورية، ان تكون الامور اكثر وضوحا، وان يكون غبار المعارك قد هدأ، وتمت عملية الحسم العسكري لهذا الطرف او ذاك، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما على الارض وفي كواليس السياسة العربية والدولية.
كنا ننتظر ان يقدم الينا السيد الأخضر الابراهيمي المبعوث الدولي المخضرم والخبير في النزاعات والحروب الاهلية، صورة اوضح، وملامح مخارج من الأزمة افضل من النقاط الست لسلفه كوفي عنان، وهو الذي يجيد اللغة العربية، ولكنه وفي التقرير الذي قدمه الى مجلس الامن الدولي فسّر الماء بالماء، عندما قال 'ان الحرب في سورية تتفاقم، وان النظام الذي التقى رئيسه لعدة ساعات يزداد قناعة بان الحرب الدائرة في البلاد هي مؤامرة من الخارج'، بالنظر الى تدفق المقاتلين الاجانب الى سورية وفاق عددهم 5000 مقاتل.
فإذا كان السيد الابراهيمي لا يملك اي 'خطـــة عمل' في الـــوقت الراهن، وان خطة عنان تبــقى 'افضـــل سبيل' فلمــاذا قبل هذه المهمة، ولماذا افشلت القوى المتصارعة على الارض السورية مهمة الاخير؟
اسئلة كثيرة محيّرة، وما هو اكثر حيرة منها هو اجتماع المعارضة الداخلية في قلب مدينة دمشق بحضور سفراء روسيا والصين وايران والجزائر، واصدار بيان ختامي ليس بإطاحة الرئيس بشار الاسد بل تفكيك النظام السوري،مما يضمن بناء الدولة الديمقراطية المدنية والتأكيد على نبذ الطائفية، وكل ما من شأنه تقسيم المجتمع على اسس ما دون الوطنية، مع التأكيد في الوقت نفسه على النضال السلمي كاستراتيجية ناجعة لتحقيق اهداف الثورة.
كلام جريء وشجاع، لانه يقال من داخل عرين الاسد، ولكن ما هو محيّر اقدام المخابرات الجوية السورية على اعتقال السيد عبد العزيز الخير واثنين من زملائه اعضاء هيئة التنسيق نفسها، بعد وصولهم من بكين مباشرة التي زاروها بدعوة من القيادة الصينية.
' ' '
الدكتور هيثم منّاع احد ابرز قادة هيئة التنسيق هو الذي اتهم المخابرات الجوية باعتقال زملائه، وطالب بالافراج عنهم فورا، وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذه السطور، وقد لا يحدث قريبا حسب تجارب سابقة تحفل بها ملفات المعتقلين في اقبية المخابرات السورية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: اذا كانت السلطات السورية تتحمل عقد مثل هذا المؤتمر للمعارضة الداخلية الذي يطالب بسقوط كل رموزها، بمن في ذلك الرئيس، فلماذا تعتقل السيد الخير وزملاءه، وهم الذين زاروا دولة حليفة لهم، ولم يزوروا واشنطن او باريس او الدوحة او الرياض؟ ثم ماذا يمكن ان يطالب هؤلاء القيادة الصينية اكثر مما قاله زملاؤهم في المؤتمر حتى يتعرضوا للاعتقال؟
ألغاز ولوغاريتمات كثيرة صعبة التفسير تزداد صعوبة مع استمرار الأزمة السورية، وتواصلها شهرا بعد شهر، في ظل ارتفاع مرعب لأعداد القتلى واللاجئين في الداخل والخارج.
المجلس الوطني السوري الذي كان ملء السمع والبصر في فترته الغليونية الاولى، تراجعت مكانته كثيرا لصالح القيادات الميدانية للجيش السوري الحر، وباتت مسألة التمثيل السياسي للمعارضة تمرّ بمرحلة تنطوي على الكثير من الضبابية. فأين الحكومات الانتقالية، واين المؤتمرات التوحيدية، واللقاءات مع المسؤولين العرب والاجانب؟
ما يؤلمنا هو ما يلحق بالشعب السوري من عذابات في ظل عمليات القتل والدمار التي تتعرض لها بلاده، والتنكر العربي والدولي له في ظل استمرار النظام في حلوله الامنية الدموية وعسكرة انتفاضته، وتدفق المقاتلين العرب والاجانب.
السيد الابراهيمي قال لأحد اصدقائه انه اصيب بصدمة مما شاهده في مخيم الزعتري في الاردن، حيث يقيم حوالى خمسين الف لاجئ سوري في ظروف معيشية لا تليق بالحيوان، وانا انقل وصفه حرفيا.
هذا الشعب الكريم الذي لم يقم مخيما واحدا لمليون لاجئ عراقي تدفقوا عبر حدوده، ومن قبلهم 200 الف لبناني اثناء الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان في حرب تموز عام 2006، وقبلهم مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، هذا الشعب تقفل الحدود في وجهه ويواجه بنكران الجميل، بل محاولة استغلال بناته بشكل بشع من قبل بعض المهووسين جنسيا من بعض الذين يدعون حمايته ومساعدته في محنته طلبا للتغيير الديمقراطي المشروع.
' ' '
السوريون فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لكل اللاجئين العرب، واستوعبوا ابناءهم في مدارسهم، وعالجوهم في مستشفياتهم على قدم المساواة مع ابنائهم، واقتسموا معهم لقمة الخبز، يواجهون الآن بنكران الجميل وغلق الحدود، ويتعرضون لابتزاز السماسرة السياسيين قبل منتهزي الفرص وتجّار الحروب.
لم تعد المسألة توجيه اللوم الى هذا الطرف او ذاك. وقبل ان توجه الينا الحراب المسمومة الجاهزة، نقول بأعلى صوت ان النظام هو المسؤول الاكبر، ولكن المهم الآن هو البحث عن طريقة لإنقاذ هذا الشعب، وانقاذ هذا البلد من الدمار، فهذا يتقدم على كل المزايدات وتبادل الاتهامات.
تسألون ما هو الحل؟ اجيب: اذا كانت الامم المتحدة وقبلها الجامعة العربية، والولايات المتحدة فيما بينهما، وفوق كل هذا وذاك تركيا، عجزت جميعا عن ايجاد الحلول فهل نستطيعها نحن؟
ما يمكن ان نقوله ان الشعب السوري هو الذي يدفع الثمن من دمه وأمنه ووطنه، والكاسب الاكبر هم تجّار الحروب، والذين يقفون خلفهم ويريدون تمزيق هذا البلد وتدمير جيشه، وكسر كرامته، لمصلحة اعداء هذه الأمة.. وما اكثرهم.
Twier:@abdelbariatwan


هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

"القدس العربي" ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو الصحيفة من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة. ويفضل ان تكون التعليقات مختصرة بحيث لا تزيد عن 200 كلمة.

الأسم:
بريدك الألكتروني:
الموضوع:
التعليق:
You may enter up to 750 characters      Characters left
alquds alarabi القدس العربي
كلمة رئيس التحرير
2506 لا تنخدعوا من تردد امريكا
  عبد الباري عطوان 

تصفح عدد اليوم من القدس العربي





Subscribe by Email
اقرأ في عدد اليوم

 446 رأي القدس لماذا لا تعترض سلطة عباس؟

 206 عزت القمحاوي ما لم يدركه الخبراء

 291 سليم عزوز أبرهة الأشرم يحاصر أمن الدولة!

 162 د. كمال الهلباوي من اخطر التحديات

 210  حسام عبد البصير السيسي يحظى بمزيد من الثناء وشيخ الازهر يحصل على تعاطف القوى غير الاسلامية.. ابو اسماعيل في انتظار التخشيبة

 182 صحف عبرية لماذا انحرف نتنياهو فجأة الى اليسار؟

 122 ابراهيم درويش اوباما تأخر في معالجة الملف السوري.. وتسليح المعارضة انجرار للخيار الذي حاول تجنبه

 311 بسام البدارين محيط مدينة معان الأردنية لا زال محتقنا وشباب العشائر لا يستجيبون لكبارهم ووفـود قبلية كبيرة تحاول إحتواء أزمة 'الجامعة' وسط غياب الرواية الرسمية

 81 زهير أندراوس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: لا توجد أدلة قاطعة بأن الأسد استخدم الأسلحة الكيميائية

 255  ابو إسماعيل يحرج الرئيس المصري ويسخر من وزير الدفاع ومراقبون يتهمون مكتب الارشاد والرئاسة بالضلوع في حملات تشويه الجيش

 66  مصر: جبهة الإنقاذ تنفي إجراء اتصالات معها للمشاركة في التعديل الوزاري واعتقال متشدِّدين إسلاميين حاولوا اقتحام مقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة

 96  وزير خارجية النيجر يصف ليبيا بأنها 'واحدة من أكبر القواعد الدولية للإرهاب'

 211 كمال زايت الجزائر: تواصل غياب الرئيس بوتفليقة وتزايد الإشاعات والغموض حول المستقبل

 326  اقبال جماهيري واسع على خطب الداعية المصري محمد حسان في تونس

 227  الاستخبارات الإسرائيلية تجهل الجهة التي أرسلت الطائرة بدون طيار رغم مرور أسبوع على إسقاطها

 80 محمود معروف جمعية مدنية مغربية تطالب بإعادة التحقيق بهجمات الدار البيضاء قبل 10 سنوات

 85  'الغارديان': قطر طالبت حركة طالبان النأي بنفسها عن 'القاعدة' قبل افتتاح مكتبها في الدوحة

 109  توقيف دبلوماسي ايراني سابق في الامم المتحدة بسبب 'سوء تفاهم'

 170  الكاتب ذو الألف حيلة: الوجه الخفي لغابرييل غارسيا ماركيز

 80 خيري منصور الروائي والسيناريست!

 110 محمد عبد الحكم دياب ما شأن الشركات الامريكية متعددة الجنسية بتطوير القرى المصرية؟!

 135 هيفاء زنكنة الطاغية الصغير وعقدة الخوف من الشعب

 142 مالك التريكي الغنوشي والنقد الذاتي: الفريضة الغائبة
 104 د . نصيف الجبوري ليس لمثل هذا العراق جاهدنا.. حوار هادئ وسط طبول الحرب

 503  سيف الاسلام واصبع الحقيقة



منوعات


أخبار خفيفة


تحقيقات


رياضة



in