معنى استدعاء عبد الناصر
معنى استدعاء عبد الناصر
عبد الحليم قنديل
2013-01-20


معنى استدعاء عبد الناصر عبر عامين من تاريخ بدء الثورة المصرية الأخيرة، لفت نظر المراقبين ذلك الإقبال الهائل على زيارة ضريح جمال عبد الناصر فى منطقة 'كوبري القبة' بالقاهرة، وهو إقــــبال عفوي تماما، لا تنظمه أي جهة أو جماعة أو حزب ناصري، ويمتاز بكثرة غالبة من الشباب الذين ولدوا بعد سنوات طويلة مضت على رحيل القائد العظيم.
وتبدو الظاهرة مطردة، وتصل إلى ذروتها في تواريخ ميلاد عبد الناصر ووفاته وذكرى ثورة 1952، وهو ما راجت معه عملية شعبية عفوية تماما، تعيد طبع صور عبد الناصر، وترفعها مع علم مصر فى مظاهرات الثورة المتصلة، وعلى خيام الاعتصامات في ميدان التحرير وأمام قصر الرئاسة، وقبلها، كانت صور عبد الناصر هي الأكثر شيوعا في مظاهرات الثمانية عشر يوما التي خلعت مبارك من الحكم، ولم تظهر وقتها صور لزعيم مصري تاريخي آخر، فوق أن أغنيات ميادين الثورة كانت كلها تنتسب إلى عصر عبد الناصر، وبدت كأنها تنتسب للحظة الثورة الأخيرة، أو أنها كتبت لها بالذات، ومن نوع أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة 'كلنا كده عايزين صورة'، 'واللي هيطلع م الميدان ـ عمره ما هيبان في الصورة'.
تنطوي الظاهرة على مفارقة لأول وهلة، فقد اتصلت الحملة الرسمية لتشويه جمال عبد الناصر على مدى أربعة عقود، ومنذ أن أطلقها السادات عقب حرب 1973، وبدت الحملة المنظمة جاذبة لأطراف من داخل مصر وخارجها، فقد شارك فيها الراعي الأمريكي لانقلاب السادات فمبارك على خط عبد الناصر، ومولتها مليارات البترو ـ دولار، وعملت في خدمتها قوى وعناصر اليمين الديني واليمين الليبرالي، وبدا كأن الكل اجتمعوا على تحطيم صورة عبد الناصر، ومحوه تماما من التاريخ المصري والعربي، ثم فاجأتهم قوافل صور عبد الناصر في ميادين الغضب، تماما كما فاجأتهم الثورة المصرية الأخيرة، والتي تتوالى موجاتها العفوية في عناد وإصرار، وتكتسح في طريقها كل قوى الثورة المضادة، سواء التي انتسبت إلى إدارة مبارك مباشرة كمجلس طنطاوي وعنان، أو التي بدت بعيدة عن إدارة مبارك، لكنها تحمل ذات الجينات الكارهة لمعنى الثورة الحقيقي، وتدعي انتسابا زائفا للثورة كقيادة جماعة الإخوان، وتلعب دور 'حصان طروادة'، وتخون الثورة باسم الثورة، وتمتلئ حقدا وغلا ضد جمال عبد الناصر، وضد ثورة 1952 التي أعادت سيرتها في ثورة 2011، وبذات الأحلام والمطامح في 'العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية'.
وأقرب تفسير لحالة الحنين المتنامي إلى عبد الناصر يبدو ظاهرا جدا، فالثورة المصرية الأخيرة ولدت بلا قيادة مطابقة، واستدعاء صورة عبد الناصر تعبير رمزي عن الحاجة إلى قيادة، ولا يوجد في التاريخ المصري الحديث اسم أكثر جدارة من معنى عبد الناصر، فهو يلخص رحلة كفاح وطني طويلة، تدافعت على طريقها أسماء وعلامات كأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس، ووجدت تتويجها في ظاهرة عبد الناصر الاستثنائية الفذة، والتي كانت خلاصة تطور الوطنية المصرية في ارتباطها الشرطي بالقومية العربية، وأحدثت قطيعة مع عصور الذل والهوان، وأزالت صور الاستعمار البريطاني ـ الفرنسي القديم عن مشرق الأمة ومغربها، وفي خلال عشر سنوات فقط على قيام ثورة 1952، ثم حولت مصر إلى قلعة حقيقية للنهضة في العالم المعاصر خلال العشر سنوات التالية، فقد كانت مصر رأسا برأس مع كوريا الجنوبية في معدلات التقدم والتصنيع والاختراق التكنولوجي، وبعد أربعين سنة من الانقلاب على تجربة عبد الناصر، خرجت مصر من سباق العصر بالجملة، ونزلت من حالق إلى الفالق، وصارت رأسا برأس ـ أو قل ذيلا بذيل ـ مع بوركينا فاسو على مؤشر الفساد الدولي، فوق أن مصر عادت إلى القيد الاستعماري من جديد، واستبدلت الاستعمار الأمريكي الراهن بالاستعمار البريطاني القديم، وهــــو الواقع المرير الذي لا يـــزال قائما حتى بعد الثورة المصرية الأخيرة، وتكرسه جماعة الإخوان بعــــد زوال حكم جماعة مبارك، وتعمل كوكيل محلي للاستعمار والهيمنة الأمريكية، وهو ما يفسر الحنين الشعبي المتزايد إلى جمال عبد الناصر، وهو ـ في جوهره ـ حنين إلى نصرة الثورة الأخيرة المغدورة، وميل إلى فهم محنة الثورة بغياب قيادة من طراز جمال عبد الناصر.
وبالطبع، فنحن لا نشتري الثورات من السوبر ماركت، فالثورة التي تناسبنا حدثت وتحدث، ومتأثرة بأحوال مجتمعاتنا، وقد ولدت الثورة الأخيرة هكذا، وبطاقة دفع شعبي تلقائي من آبار الغضب المخزون، وكان دور المبادرين مفهوما، فقد رفعوا الغطاء عن آبار الغضب، ودون أن تتوافر قيادة مطابقة لفيض غضب تدفق إلى الشارع بملايين الناس، وهذه سمة ظاهرة في الثورات العربية الحالية، أقول أنها سمة وليست عيبا بالضرورة، صحيح أنها تجعل رحلة الثورة أطول وأصعب، ولا تجعل قطوفها دانية عند طرف الإصبع، وتجعل احتيال قوى الثورة المضادة على الثورة يبدو أسهل، ولكن إلى حين، فالفجوة متسعة بين طبع طلائع الثورة العفية وأحوال المجتمع المنهك، والبروفات الانتخابية الأولى تعكس حال المجتمع المنهك، وهو ما قد يصيب الثوريين بإحباط مفهوم الدواعي، لكن هذا الإحباط ذاته، يعود فيلعب دوره كقوة دفع ثوري بامتياز، وهكذا تتكرر موجات الثورة، أي استدعاء الميادين لمدد متجدد من آبار الغضب، ومع كل دورة يتغير وعي المجتمع المنهك، ويصبح أكثر استعدادا لتقبل فكرة الثورة، وهو ما يجري مع دورات انتخابات واستفتاءات تالية للتجربة الأولى، وهكذا إلى أن نصل إلى تقارب فتطابق بين إرادة الثوريين والوعي المضاف لحال المجتمع المنهك، وقتها تتكون قيادة من نوع مختلف، قيادة تجتمع أطرافها على كلمة الثورة، وتحظى بدعم طوعي غلاب من المجتمع المنهك الممزق، وعلى طريقة 'إيزيس' في الأسطورة المصرية القديمة، والتي راحت تجمع أشلاء زوجها وحبيبها 'أوزوريس'، وتصنع منها جسدا واحدا متحدا، تعيد إليه الحياة، وتحمل منه لتلد 'حورس' رمز مصر الجديدة، وتلك سيرة تختلف عن سيرة وتكون قيادة جمال عبد الناصر، لكنها تحمل ذات المعنى والمغزى الكامن في ظاهرة الاستدعاء الشعوري لجمال عبد الناصر، والتسابق إلى زيارة ضريحه.

' كاتب مصري



هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

"القدس العربي" ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو الصحيفة من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة. ويفضل ان تكون التعليقات مختصرة بحيث لا تزيد عن 200 كلمة.

الأسم:
بريدك الألكتروني:
الموضوع:
التعليق:
You may enter up to 750 characters      Characters left
alquds alarabi القدس العربي
كلمة رئيس التحرير
2506 لا تنخدعوا من تردد امريكا
  عبد الباري عطوان 

تصفح عدد اليوم من القدس العربي





Subscribe by Email
اقرأ في عدد اليوم

 446 رأي القدس لماذا لا تعترض سلطة عباس؟

 206 عزت القمحاوي ما لم يدركه الخبراء

 291 سليم عزوز أبرهة الأشرم يحاصر أمن الدولة!

 162 د. كمال الهلباوي من اخطر التحديات

 210  حسام عبد البصير السيسي يحظى بمزيد من الثناء وشيخ الازهر يحصل على تعاطف القوى غير الاسلامية.. ابو اسماعيل في انتظار التخشيبة

 182 صحف عبرية لماذا انحرف نتنياهو فجأة الى اليسار؟

 122 ابراهيم درويش اوباما تأخر في معالجة الملف السوري.. وتسليح المعارضة انجرار للخيار الذي حاول تجنبه

 311 بسام البدارين محيط مدينة معان الأردنية لا زال محتقنا وشباب العشائر لا يستجيبون لكبارهم ووفـود قبلية كبيرة تحاول إحتواء أزمة 'الجامعة' وسط غياب الرواية الرسمية

 81 زهير أندراوس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: لا توجد أدلة قاطعة بأن الأسد استخدم الأسلحة الكيميائية

 255  ابو إسماعيل يحرج الرئيس المصري ويسخر من وزير الدفاع ومراقبون يتهمون مكتب الارشاد والرئاسة بالضلوع في حملات تشويه الجيش

 66  مصر: جبهة الإنقاذ تنفي إجراء اتصالات معها للمشاركة في التعديل الوزاري واعتقال متشدِّدين إسلاميين حاولوا اقتحام مقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة

 96  وزير خارجية النيجر يصف ليبيا بأنها 'واحدة من أكبر القواعد الدولية للإرهاب'

 211 كمال زايت الجزائر: تواصل غياب الرئيس بوتفليقة وتزايد الإشاعات والغموض حول المستقبل

 326  اقبال جماهيري واسع على خطب الداعية المصري محمد حسان في تونس

 227  الاستخبارات الإسرائيلية تجهل الجهة التي أرسلت الطائرة بدون طيار رغم مرور أسبوع على إسقاطها

 80 محمود معروف جمعية مدنية مغربية تطالب بإعادة التحقيق بهجمات الدار البيضاء قبل 10 سنوات

 85  'الغارديان': قطر طالبت حركة طالبان النأي بنفسها عن 'القاعدة' قبل افتتاح مكتبها في الدوحة

 109  توقيف دبلوماسي ايراني سابق في الامم المتحدة بسبب 'سوء تفاهم'

 170  الكاتب ذو الألف حيلة: الوجه الخفي لغابرييل غارسيا ماركيز

 80 خيري منصور الروائي والسيناريست!

 110 محمد عبد الحكم دياب ما شأن الشركات الامريكية متعددة الجنسية بتطوير القرى المصرية؟!

 135 هيفاء زنكنة الطاغية الصغير وعقدة الخوف من الشعب

 142 مالك التريكي الغنوشي والنقد الذاتي: الفريضة الغائبة
 104 د . نصيف الجبوري ليس لمثل هذا العراق جاهدنا.. حوار هادئ وسط طبول الحرب

 503  سيف الاسلام واصبع الحقيقة



منوعات


أخبار خفيفة


تحقيقات


رياضة



in