سورية: الثقافة والمأزق الأخلاقي؟
سورية: الثقافة والمأزق الأخلاقي؟
الياس خوري
2012-10-15


سورية: الثقافة والمأزق الأخلاقي؟في لقاء مع مجموعة من الاصدقاء السوريين في بيروت، طرح سؤال كبير حول موقف المثقفين العرب من الثورة السورية.
بدأ السؤال بمواقف مثقفين وفنانين لبنانيين مليئة بالالتباس، وصل بعضها الى درجة البحث عن مبـــــررات 'فكرية' وسياسية، من اجل دعم النظام الاستبدادي الأسدي، لينتـــهي الى ســــؤال عام حول موقف المثقفين العرب الأخلاقي من معاناة الشعب السوري.
السؤال محيّر فعلا، ومن الخطأ الفادح ان يُناقش على ضوء منعطف لجوء الشعب السوري الى السلاح في مواجهة الآلة العسكرية والأمنية للنظام. فالسؤال طُرح منذ الأيام الاولى للثورة التي اتسمت بطابع سلمي بطولي لا مثيل له. فالشعب الأعزل واجه لأشهر طويلة الرصاص والقتل بصدور عارية وحناجر تهتف للحرية ، ومع ذلك ووسط صور احذية الجنود والشبيحة التي تدوس اجساد المعتلقين ووجوههم ارتفعت صيحات التشكيك والنقد.
مع بداية الثورة قدّم الشاعر ادونيس الحجة الأولى عبر رفضه خروج المظاهرات من المساجد. صحيح ان هذا الموقف فتح ابواب التردد، لكن لا يمكن نسبة الظاهرة اليه، فهذه الظاهرة تنتمي الى تراث سياسي وثقافي يضرب عميقا في بنية 'يسارية' عامة لم يبق لها من خطابها اليساري القديم سوى يافطة معاداة الامبريالية، التي جعلت منها مشجبا تعلّق عليه ذيليتها السياسية، والتحاقها الطوعي بالاستبداد.
نحن امام معضلة فكرية، ولسنا امام ظواهر فردية، بعضها لا يزال يحمل قدرا من البراءة كمواقف الشاعر سعدي يوسف، وبعضها الآخر يحمل توترا عُصابيا يدعو الى الرثاء، لكنها تُجمع على دعم نظام الاستبداد، لأنها تعتبر الثورات العربية مؤامرة امريكية هدفها الهيمنة على المنطقة العربية!
هكذا وبمنطق مبسط وخال من العقلانية انقلبت امريكا على حليفيها حسني مبارك وزين العابدين بن علي، وصديقها المطواع معمر القذافي، بهدف الوصول الى قلعة الممانعة التي يمثلها حكم آل الأسد في سورية!
منطق غريب، لكنه يستند الى مروحة من الأفكار التي ساندت الجزارين الصرب وايدت حرب الابادة في الشيشان، وبكت على سقوط الديكتاتوريات في اوروبا الشرقية، لأنها لا تزال اسيرة عقلية الحرب الباردة، حيث لا يجري التعامل مع الشعوب والدول الا بوصفها حجارة على مائدة شطرنج دولية!
التقاطع بين يساريي النوستالجيا الى زمن الحرب الباردة (احزاب ما يسمى بالجبهة الوطنية التقدمية في سورية التي تضم حزبين شيوعيين، اضافة الى الوزير السوري قدري جميل ممول قناة 'اليسارية' التي اوكل مهمة ادارتها الى امين عام الحزب الشيوعي اللبناني) وبين خطاب حزب الله، فرض بلبلة كبرى، زاد من تفاقمها اندفاع بعض الكتاب والصحافيين النيوليبراليين الذين يعملون في الاعلام النفطي، الى الدفاع عن انتفاضة الشعب السوري بخطاب رجعي يحمل بذور الكراهية للحركة الوطنية العربية، ولمواقفها في مواجهة الهيمنة الامبريالية والاحتلال الاسرائيلي.
هذا الواقع الثقافي المعقّد سمح للفـــــكر المبرر لوحشية النظام بأن يجد في كل يوم مسوغاً جديدا، مركزا على الخــــوف من صــعود الاسلام السياسي الذي يبرز، في الواقع السوري على الأقل، على فضائيات الخليج اكثر بكثير من بروزه على ارض الواقع.
المسألة التي تبدو فــــي ظاهرها وكأنها تعبير عن خيارات سياسية مختلفة، تعبّر في رأيي عن بنية ثقافية تجد جذورها في ما يمكن ان نطلق عليه اسم الاستعلاء الثقافي. اي النظر الى الأمور من مقترب الثقافة بوصفها سلطة. وهي بنية يشترك فيها اليسار التقليدي واليمين، لأنها آتية من جذر واحد، هو استعلاء الثقافة او تعاليها عن االتفاصيل وانصرافها الى النتائج بعد اهمال المقدمات.
لن اناقش الافتراضات السياسية وادخل في مماحكة حول الدور الكولونيالي الروسي الذي لا يختلف في شيء عن اي دور كولونيالي آخر، او حول الفرق بين الاصوليتين الشيعية والسنية المتشابهتين اكثر مما يعتقد الكثيرون، بل اريد ان اناقش المواقف من زاوية اخلاقية. هل يعقل ان تجري المساواة بين ابراهيم القاشوش الذي قطعت حنجرته من اجل اخراس صوته وبين قاتله؟ هل يمكن ان تصاب العيون بالعماء المطلق امام مشاهد التعذيب والقتل واستباحة الجثث؟
الجواب هو ان من رفض ان يرى مشاهد الاستباحة في سورية، كان يرفض ان يرى الواقع التفصيلي كي يبني عليه استنتاجاته، فأخذنا الى لعبة الأمم مبررا للقاتل جرائمه باسم صراع دولي واقليمي لا يعني شيئا لأهل درعا الذين انتفضوا لكراماتهم المهدورة.
مشكلة الثورات العربية مع هذا النوع من المثقفين هي انها كانت مفاجئة، ولا تحمل سمات الثورات التي اعتادوا عليها او قرأوا عنها في الكتب. ثورات تعبر عن انفجار المجتمع في وجه الاستبداد. فالناس انفلقت من القمع والذل والافقار والنهب، ونزلت الى الشوارع كي تكسر الخوف، وتحتل التاريخ.
كان التوقع المنطقي هو ان تنتقل عدوى كسر جدار الخوف الى المثقفين، الذين لم يعرفوا كفئة بشجاعتها، لكن بدلا من ذلك اصاب الرعب قطاعات واسعة منهم، لأنها اعتادت على الخوف من السلطة وانحنت لها، واليوم تصاب بالرعب من الناس لأنها لم تحاول يوما ان تتعرف اليهم وتعترف بهم.
المسألة ليست فقــــط في خيـــانة بعض المثقــــفين، بل في مـــناخ الخيانة العام الذي يضرب عرض الحائط بمشاعر الناس وغضبهم وانتفاضاتهم، لأنه لا يعترف بالتفاصيل، ويعتقد ان القمع مسألة ثقافوية فقط، تتعلق بمنع كتاب من هنا او فيلم من هناك...
الاستعلاء على الواقع هو الخيانة التي منحت صكوك غفران للقتلة تحت حجة الممانعة او مقاومة الهيمنة الغربية. قبل البحث في السياسة علينا ان نبحث في جذر السياسة، فاذا كانت السياسة هي فن ادارة العلاقة بين المجتمع والسلطة، علينا ان نسأل لماذا ثار المجتمع، وما نوع هذه السلطة التي حولت البلاد بأسرها الى سجن؟ وبعد ذلك يأتي دور البحث في السياسات الدولية والاقليمية.
لعل ميزة الثورة السورية هي انها ترسم الخط الفاصل بين ثقافة الاستبداد وثقافة الحرية، فرغم تعقيداتها الكثيرة، خصوصا في مرحلة مقاومتها بالسلاح، فانها تقدم للثقافة العربية درسا في الأخلاق، وتكشف زيف المعرفة الكلية التي تحولت الى ببغاء يردد الكلمات نفسها، ويتماهى مع القتلة.



هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

"القدس العربي" ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو الصحيفة من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة. ويفضل ان تكون التعليقات مختصرة بحيث لا تزيد عن 200 كلمة.

الأسم:
بريدك الألكتروني:
الموضوع:
التعليق:
You may enter up to 750 characters      Characters left
alquds alarabi القدس العربي
كلمة رئيس التحرير
2506 لا تنخدعوا من تردد امريكا
  عبد الباري عطوان 

تصفح عدد اليوم من القدس العربي





Subscribe by Email
اقرأ في عدد اليوم

 446 رأي القدس لماذا لا تعترض سلطة عباس؟

 206 عزت القمحاوي ما لم يدركه الخبراء

 291 سليم عزوز أبرهة الأشرم يحاصر أمن الدولة!

 162 د. كمال الهلباوي من اخطر التحديات

 210  حسام عبد البصير السيسي يحظى بمزيد من الثناء وشيخ الازهر يحصل على تعاطف القوى غير الاسلامية.. ابو اسماعيل في انتظار التخشيبة

 182 صحف عبرية لماذا انحرف نتنياهو فجأة الى اليسار؟

 122 ابراهيم درويش اوباما تأخر في معالجة الملف السوري.. وتسليح المعارضة انجرار للخيار الذي حاول تجنبه

 311 بسام البدارين محيط مدينة معان الأردنية لا زال محتقنا وشباب العشائر لا يستجيبون لكبارهم ووفـود قبلية كبيرة تحاول إحتواء أزمة 'الجامعة' وسط غياب الرواية الرسمية

 81 زهير أندراوس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: لا توجد أدلة قاطعة بأن الأسد استخدم الأسلحة الكيميائية

 255  ابو إسماعيل يحرج الرئيس المصري ويسخر من وزير الدفاع ومراقبون يتهمون مكتب الارشاد والرئاسة بالضلوع في حملات تشويه الجيش

 66  مصر: جبهة الإنقاذ تنفي إجراء اتصالات معها للمشاركة في التعديل الوزاري واعتقال متشدِّدين إسلاميين حاولوا اقتحام مقر جهاز الأمن الوطني في القاهرة

 96  وزير خارجية النيجر يصف ليبيا بأنها 'واحدة من أكبر القواعد الدولية للإرهاب'

 211 كمال زايت الجزائر: تواصل غياب الرئيس بوتفليقة وتزايد الإشاعات والغموض حول المستقبل

 326  اقبال جماهيري واسع على خطب الداعية المصري محمد حسان في تونس

 227  الاستخبارات الإسرائيلية تجهل الجهة التي أرسلت الطائرة بدون طيار رغم مرور أسبوع على إسقاطها

 80 محمود معروف جمعية مدنية مغربية تطالب بإعادة التحقيق بهجمات الدار البيضاء قبل 10 سنوات

 85  'الغارديان': قطر طالبت حركة طالبان النأي بنفسها عن 'القاعدة' قبل افتتاح مكتبها في الدوحة

 109  توقيف دبلوماسي ايراني سابق في الامم المتحدة بسبب 'سوء تفاهم'

 170  الكاتب ذو الألف حيلة: الوجه الخفي لغابرييل غارسيا ماركيز

 80 خيري منصور الروائي والسيناريست!

 110 محمد عبد الحكم دياب ما شأن الشركات الامريكية متعددة الجنسية بتطوير القرى المصرية؟!

 135 هيفاء زنكنة الطاغية الصغير وعقدة الخوف من الشعب

 142 مالك التريكي الغنوشي والنقد الذاتي: الفريضة الغائبة
 104 د . نصيف الجبوري ليس لمثل هذا العراق جاهدنا.. حوار هادئ وسط طبول الحرب

 503  سيف الاسلام واصبع الحقيقة



منوعات


أخبار خفيفة


تحقيقات


رياضة



in