اهمية توثيق مسار المقاومة العراقية
اهمية توثيق مسار المقاومة العراقية
هيفاء زنكنة
2012-12-21


اهمية توثيق مسار المقاومة العراقيةلقد عانت المقاومة العراقية الباسلة منذ الايام الاولى للاحتلال الانكلو- امريكي، في آذار / مارس 2003، من الكثير من التشويه والتضليل والتهم الجاهزة. ولاتزال تعاني من كيل الاتهامات ذاتها حتى اليوم. من بين الاتهامات ما هو عالمي وما هو محلي. فتهمة 'الارهاب' التي الصقت لصقا بالمقاومة العراقية عالمية، جاهزة، استنبطتها قريحة الادارة الامريكية لتبرير شن الحرب على اية جهة لاتسايرها، ولشرعنة دورها كقوة ردع استباقية في العالم. اما الاتهامات المحلية التي ساعد على ترويجها مستخدمو الاحتلال، فهي على غرار 'ازلام النظام البائد'، و'صداميون'، و'وهابيون' و'القاعدة'. ومع وجود اجهزة اعلام مدفوعة الأجر بالاختلاسات المالية وعمولات الصفقات بالملايين واختفاء المليارات، لاعجب ان تكرر الصحافة وكل اجهزة الاعلام الصورة المشوهة للمقاومة وتنكر وجودها او تطمس دورها الفعلي في اجبار قوات الاحتلال على الجلاء.
ازاء هذه التعمية عن وجود واحدة من اكثر صفحات العراق المعاصر اشراقا وتضحية ودفاعا عن كرامة المواطن، تنبع حاجة حقيقية لتوثيق يوميات المقاومة والمقاومين الذين دفعوا حياتهم (ولايزالون) ثمنا للتخلص من هيمنة المحتل الاجنبي وحكوماته الطائفية الفاسدة. وقد قام عدد من الكتاب والصحافيين والباحثين، بين الحين والآخر، بمحاولة توثيق مسار المقاومة منذ ايامها الاولى. كما لجأ البعض الى سرد شهادات لقلة من المقاتلين، وهي شهادات، على اهميتها، لا تمنح الباحث المتابع ما يساعده على استشراف الصورة كاملة او التوصل الى الحقيقة وهو هدف يتطلب جهدا كبيرا وشهادات كثيرين من المقاومين من مختلف الفصائل التي ساعدت على ابقاء المقاومة حية لتوجه الضربات المتتالية الى العدو. خاصة وان للمقاومة العراقية، كما يذكر الباحث خالد المعيني 'خصوصية معينة؛ فكافة تجارب العالم السابقة انطلقت وهي تخضع لنظام دولي خاص أتيح لها حاضنة دولية كما هو الحال في المقاومة الفيتنامية والجزائرية والكورية وما إلى ذلك، ولكن المقاومة العراقية لها وضع خاص إنها تقاتل القطب الأوحد في العالم وبدون أي حاضنة دولية أو عربية أو إسلامية أو إقليمية عدا التعاطف الشعبي'. ويركز الباحث العسكري مهند العزاوي على تغيير سياسة القيادة العسكرية الأمريكية في العراق واستخدامها 'إستراتيجية 'الهندسة المعكوسة' التي تجعل المدني والمقاتل جميعهم أعداء، وباستخدام قانون مكافحة الإرهاب وعبر شبكة سجون ومعتقلات حكومية سرية وعلنية، ويمارس هذا التكتيك كوسيلة لأشغال الشعب بالقمع والترهيب والتعذيب'. وفي مجال توثيق مسار المقاومة، قامت 'قناة الرافدين' العراقية، خلال الشهر الحالي، بتقديم برنامج، عن المقاومة، اجرى فيه رافع الفلاحي، مقابلة مع مثنى حارث الضاري، مسؤول قسم الثقافة والاعلام في هيئة علماء المسلمين وأن اكد الفلاحي بان ضيفه لا يتحدث ضمن هذا الاطار بل لكونه شاهدا ومتابعا وموثقا لقضية المقاومة التي منحت الشعب الامل والقوة على مواصلة النضال ضد المحتل.
وتنبع اهمية البرنامج بحلقتيه الاولى والثانية وهناك ما يشير الى وجود حلقات اخرى، من انه يمنح الشاهد/ الباحث مساحة كافية للحديث عن تجربته وتفاصيل متابعته للاحداث داخل العراق التي بدأت في فترة اعداد الولايات المتحدة وغيرها من 'دول التحالف' للغزو. وقد قام مثنى حارث بتقديم شهادته التفصيلية بلغة بسيطة خالية من جعجعة الادعاء والتضخيم التي، غالبا، ما تدفع المشاهد الى تفادي برامج كهذه لفرط الاستعراضات البطولية. ويلاحظ، في الوقت نفسه، ابتعاده الكلي عن الادعاء بانه كان جزءا من فصيل المقاومة الوحيد في الميدان كما تميز بالحديث باعتزاز وفخر عن ادوار المقاومين ممن ضحوا بحياتهم دفاعا عن الوطن وعن كرمة وعزة الشعب. مشيرا بالاسماء والامثلة الى بطولة الناس العاديين وقوتهم الداخلية التي جعلتهم لا يترددون في مواجهة اعتى الاسلحة واكثرها فتكا بابسط الاسلحة المتوفرة. هناك مثلا حاج حمزة الذي هجم على دبابة امريكية بخنجره. كما قدم مثنى حارث سردا تاريخيا عن الاتصالات التي جرت بين الجهات المختلفة للتنسيق قبل الغزو، حول الاشكاليات التي واجهت من كانوا يتهيئون للدفاع عن الوطن في حال الغزو ولعل اهمها محاولة البعض الخلط ما بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن النظام، بالاضافة الى موقف البعض المنادي بقبول المحتل وانتظار ماسيحدث، وهي وجهة النظر التي قوبلت بالرفض الشديد من قبل معظم المجتمعين سواء داخل او خارج العراق. هناك توثيق للحظات المقاومة الاولى، البناء التدريجي لفكرة المقاومة، جرح احد المقاومين واستشهاده، صدور الفتاوي الداعية الى المقاومة واعتبارها ' فرض عين'، ومناقشات الشباب داخل المساجد. ولا يكتفي مثنى حارث بتقديم شهادته عن المقاومة في المنطقة التي كان يقطنها وهي منطقة ابو غريب قرب بغداد، بل ينتقل لتقديم صور المقاومة في عموم العراق ساردا باعتزاز الافعال البطولية للمقاومين وقوات الجيش في العديد من المدن بدأ بأم قصر والبصرة والناصرية وبقية الطرق الى مشارف بغداد .
وتضيء المقابلة جوانب ومناقشات قلما يشار اليها مثل شيوع استخدام مصطلح المقاومة وليس الجهاد فحسب، وامكانية مواجهة قوات عاتية عسكريا بلا سلاح وما هو الموقف من دعاة الاستسلام؟
ان كتابة تاريخ المقاومة، وهي لاتزال مستمرة، ليست مهمة سهلة، خاصة وان معارك بطولية كاملة انتهت بتضحية المقاومين بأنفسهم ولجوء قوات الاحتلال الى القصف والقتل الجماعي ادت الى غياب الشهود. لذلك، من الضروري ومن الواجب تدوين افعال المقاومة مهما كان حجمها. ان تدوين افعال المقاومة هو استمرار لفعل المقاومة المسلحة نفسها بالاضافة الى اشكال المقاومة الاخرى. وهو امتداد طبيعي اذا ما اردنا الا يقوم المحتل بكتابة تاريخنا كما يريده هو وبمنظوره ليسلبنا حق بناء الذاكرة الجماعية. وهي جريمة طالما ارتكبها الغزاة ليكتب التاريخ وفقا لمنظور المحتل والمتعاونين معه واجهزة اعلامهم التضليلية مع الاهمال الكلي او محو صفحات المقاومة التي خطها المقاومون بدمائهم. وهو ما يشير اليه الروائي اللبناني أمين معلوف في كتابه 'الحروب الصليبية كما رآها العرب'. اذ اقتصرت سردية 'الحروب الصليبية' وكتابة تاريخها وتحليلها على الصورة المنتقاة التي قدمها الغزاة وتم الترويج لها في الغرب فعمد امين معلوف الى تقديم 'صورة مقابلة تركها المؤرخون العرب'، ولم تعرف طريقها الى عموم الجمهور ولم يتح للصوت العربي ان يسمع استنادا الى توثيقه من قبله هو.
لقد كشفت وثائق ويكليكس بعض الجوانب الخفية لعمليات المحتل الوحشية ضد المواطنين ومحاولات المقاومين التصدي لها. لكن اللغة العسكرية الخاصة وكثرة الرموز تجعل تشفيرها وقراءتها مهمة صعبة المنال، وهنا تأتي اهمية التدوين التوثيقي وتسجيل الشهادات وعدم الاكتفاء بالسرد الشفهي. نحن بحاجة، من بين ما نفعل في هذا المجال، لتشجيع الشباب، وحتى الطالبات والطلبة، على تسجيل الأحداث التي شهدها الكبار في عوائلهم ومحلاتهم، وجمع الصور والخرائط والقصاصات، والإستفادة حسب الممكن من تحميل هذه على الإنترنت، أو حفظها في أكثر من مكان إذا كان هناك داع للسرية. وسيسمح الزمن بتدقيق هذه وغربلتها، لكن البداية هي في تسجيل التأريخ المحلي، و جمع ما سيغربل. ولا شك أن ظروفنا تسمح بأن لا تعاد دورات إستمرت مئات السنين قام فيها كل جيل من العراقيين وغيرهم في منطقتنا بحرق تراث الجيل السابق من كتب وأوراق، تفاديا لإنتقام الحكام.
فالتوثيق هو ذاكرة الشعوب الجماعية وما تحمله من موروث ثقافي وحضاري يساعد على فهم احداث الماضي وتطويرها او تجاوزها او البناء عليها. انه اداة العثور على الحقيقة وردم القطيعة المعرفية ما بين الاجيال فضلا عن كونه الأداة التي ستبقي على المقاومة، عراقية، باسلة، مهما حاول الاحتلال وحكوماته الطائفية مسح كل ما هو عراقي فيها.

' كاتبة من العراق




alquds alarabi القدس العربي
in