اليمن: الانفصام السياسي للدولة الانتقالية
د. محمد البنا
2012-07-18
اليمن: الانفصام السياسي للدولة الانتقالية قررت دول الخليج والولايات المتحدة الالتفاف على التحرك الثوري لشباب اليمن للابقاء على حليفهم الذي لا يرد لهم أمرا ولا يرفض لهم طلبا، من انتهاك السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية والتنازل عن الاراضي ومنح الصفقات التجارية بابخس الاثمان وغيرها. اوجدت تلك الدول لليمن حلا هجينا يجمع الحمل والذئب في زريبة واحدة يشرف عليها السفير الامريكي والسعودي. المبادرة الخليجية وآليتها فرضت نفسها على الجميع والغت الدستور اليمني واوجدت تقاسما للسلطة يدار منها وعبرها. فمددت للبرلمان منتهي الصلاحية، والزمت الجميع بالتوافق حول أي قرار في الحكومة او البرلمان على ان يبقي نائب رئيس المؤتمر ممسكا بالقرار النهائي دون منازع بعد ان اقتنعت المعارضة الشباب بانتخابه رئيسا توافقيا لا يرد له قرار. لم تستفد المعارضة من تجاربها السابقة وحواراتها العقيمة مع النظام السابق التي كانت تفضي دائما الى لا شيئ، وكررتها جميعا بطيبة نفس دون أي تعديل حتى بعد ان خرج الشباب الى الساحات محاولين فتح ثغرة للنور في جدار المستحيل، غير ابهين بمساومات السياسيين قبل أن تصير الأمور إلى نفس الخطأ القاتل الذي ارتكبته المعارضة مع صالح، فسلمت الثورة لنائب رئيس المؤتمر الشعبي العام ليقوم بإعادة إنتاج النظام والتمديد للهيئات والمؤسسات التي أنشأها صالح، لتمارس جميع أشكال الإقصاء والتهميش بحق شباب الساحات والحراك الجنوبي وبقية مكونات المجتمع الفاعلة. كما لم تستفد المعارضة من كل ما اوردته تجارب التاريخ اليمني القريب في الغدر والخيانة ونقض العهود. حاليا تتخبط المعارضة في مستنقع الوفاق لا تستطيع منه خروجا، فلا هي قادرة على السير وفق المبادرة ولا وفق الدستور ولا وفق التوافق. حيث يفرض عليها المؤتمر توافقا في الحكومة وفق المبادرة وتصويتا في البرلمان وفق الدستور، وحسما من عبد ربه وفق المبادرة وتنازلات مهينة وفقا للدستور. فالمتابع للاوضاع اليمنية يجد بان المؤتمر يطالب الحكومة بالالتزام بتنفيذ بنود المبادرة ويغرقها بمطالب متوارثة من العهد البائد، ويرد قراراتها التوافقية حكوميا من البرلمان غير التوافقي ليحسم الامر نائب رئيس المؤتمر. يتم المطالبة بحلول لآلاف مؤلفة من الشباب المقهور من عهدهم السابق، والتزامات متراكمة في كل مناحي الحياة من عهدهم السابق، وحيثما كانت الامور تسير طبيعيا نفاجأ بانفجارها دون مبرر او سابق انذار، مثل الكهرباء والمياه والبترول وغيرها محملين الحكومة تبعات ثعابينهم. يصل الامر الى التضحية بجنود اليمن الابرياء يقتلون في معسكراتهم وساحاتهم وفي مواقع لا يستطيع احد الوصول اليها لوقوعها تحت سيطرة اجهزة النظام السابق الباقية وفق المبادرة. من ابرز نماذج الانفصام السياسي للتوافق اليمني، ان يكون رئيس الحكومة عرضة للتهكمات والاهانات والاساءات العلنية التي وصلت الى قمتها تحت قبة البرلمان التوافقي، ولم تترك المرأة المناضلة في الحكومة. الاخطر من ذلك هو البيان البرلماني المهاجم للحكومة دفاعا عن احد قياديي المؤتمر المحصن فوق الدستور والقانون والعرف والاخلاق. فبالرغم من ان اهانة رئيس الدولة او رئيس الحكومة يعتبر في كل دول العالم حقا عاما يمس الشعب الذي يمثل ولا يمكن التنازل عنه لاي سبب من الاسباب، الا اننا في اليمن نفاجأ ببيان البرلمان التوافقي الذي يعلن لاول مرة بان عضو البرلمان اليمني محم من القضاء في كل الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم اليمني عدا الجرائم الجسيمة التي تمس الوطن فقط، معتبرة اهانة الشيخ المؤتمري لرئيس الحكومة التوافقية مجرد كلام. وفي قضية سعر الديزل يرفض البرلمان القرار التوافقي للحكومة التوافقية، ويرفض القانون التوافقي للعدالة الانتقالية، ويرفض تدخل الحكومة في التهيئة للحوار الوطني. يقوم اعلام المؤتمر برصد تحركات رئيس الحكومة ووزراء المشترك ويعطيها ارقاما مالية ضخمة وكان وزراء المؤتمر في الحكومة يصرفون من اموالهم الخاصة او انهم يستخدمون رقما ماليا اقل مما يحصل عليه وزير المشترك. في هذا الجانب يتساءل المواطن البسيط، كيف يمكن ان تتم مهاجمة المؤتمر للمشترك علنا، وفي مختلف وسائله الاعلامية، وعلى مرأى ومسمع من جميع المعنيين بالمبادرة الخليجية وبتطبيق القانون، ويقولون بانهم متوافقون؟ كيف يكون هذا التوافق الذي يسمح بان يضع المتوافقون لبعضهم كمائن ومطبات لافشالهم او محاولة اظهار فشل وهمي؟ كيف هو هذا التوافق الذي يسمح بالسب والشتم والاساءات ليس فقط لرئيس حكومة التوافق بل للشعب اليمني؟ كيف هو هذا التوافق الذي يضحي بالجنود الابرياء ظلما وعدوانا دون مبرر او جرم ارتكبوه؟ كيف يكون هذا التوافق الذي يتفق فيه في الحكومة ويختلف عليه في البرلمان؟ كيف هو هذا التوافق الذي يحسمه طرف دون أي امكانية للطرف الاخر حتى في الاحتجاج؟ كيف هو هذا التوافق الذي يرأسه نائب رئيس المؤتمر دون ان يتنازل عن صفته الحزبية حتى بعد ان اصبح رئيسا لكل اليمنيين؟ الا يعد هذا انفصاما سياسيا من قبل المتوافقين؟ وهل اعتبرت المعارضة من تجاربها السابقة وتجربتها الحالية ودروس التاريخ القريب والبعيد؟ الاهم من كل ذلك، هل تستطيع المعارضة تغيير واقعها المخزي والمذل في هذا التوافق؟ وهل تستطيع اطلاق يدها عن الثورة وشباب الثورة، قبل ان تكون الامور قد وصلت الى طريقا مغلقة من كل الاتجاهات؟ ان ما يعلمه المواطن حاليا هو انه لم يتبق من الفترة الانتقالية سوى القليل من الوقت، في حين ان كل مهامها لم تنفذ الى الان، ناهيك عما ترحل اليها من مهام المرحلة الانتقالية الاولى. فهل سنصير الى انتخابات تم التحضير لها مسبقا بعناية من قبل طرف يمتلك المال والسلطة والتأثير، ام ستتورط المعارضة مرة اخرى في صفقة سياسية اكثر خزيا لها تمديدا للنظام السابق حفاظا على الامن الاهلي من الحرب الاهلية المزعومة؟